ابن قيم الجوزية

286

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

مذموما لا حامد لك ، مخذولا لا ناصر لك ، إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل ، وقد يكون مذموما منصورا ، كالذي قهر وتسلط عليه بباطل ، وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق ، والمشرك المتعلق بغير اللّه قسمه أردأ الأقسام الأربعة ، لا محمود ولا منصور . المفسد الرابع من مفسدات القلب : الطعام : والمفسد له من ذلك نوعان : أحدهما : ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات ، وهي نوعان : محرمات لحق اللّه ، كالميتة والدم ، ولحم الخنزير ، وذي الناب من السباع والمخلب من الطير . ومحرمات لحق العباد ، كالمسروق والمغصوب والمنهوب ، وما أخذ بغير رضى صاحبه ، إما قهرا وإما حياء وتذمما . والثاني : ما يفسده بقدره : وتعدي حده ، كالإسراف في الحلال ، والشبع المفرط ، فإنه يثقله عن الطاعات ، ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها ، حتى يظفر بها . فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها ، والتأذي بثقلها ، وقوي عليه مواد الشهوة ، وطرق مجاري الشيطان ووسعها ، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم . فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقه ، والشبع يطرقها ويوسعها . ومن أكل كثيرا شرب كثيرا ، فنام كثيرا ، فخسر كثيرا . وفي الحديث المشهور « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه . بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه . فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه » ويحكى أن إبليس - لعنه اللّه - عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام ، فقال له يحيى : هل نلت مني شيئا قط ؟ قال : لا ، إلا أنه قدّم إليك الطعام ليلة فشهّيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك ، فقال يحيى : للّه عليّ أن لا أشبع من طعام أبدا . فقال إبليس : وأنا ، للّه عليّ أن لا أنصح آدميا أبدا . المفسد الخامس من مفسدات القلب : كثرة النوم : فإنه يميت القلب ، ويثقل البدن ، ويضيع الوقت ، ويورث كثرة الغفلة والكسل . ومنه المكروه جدا . ومنه الضار غير النافع للبدن . وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه . ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره . ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه . وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ، ولا سيما نوم العصر ، والنوم أول النهار إلّا لسهران . ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، فإنه وقت غنيمة ، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة ، حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس ، فإنه أول النهار ومفتاحه ، ووقت نزول الأرزاق ، وحصول القسم ، وحلول البركة ، ومنه ينشأ النهار ، وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة ، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر . وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول ، وسدسه الأخير . وهو مقدار ثمان ساعات . وهذا أعدل النوم عند الأطباء . وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه . ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل ، عقيب غروب الشمس ، حتى تذهب فحمة العشاء . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكرهه . فهو مكروه شرعا وطبعا .